الواجب الشرعي تجاه الأوطان (ج1)
مجلس العلماء:
الخطبـة الأولـى:
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده
الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن حب الأوطان والتعلق بها والحنين إليها من الأمور الفطرية في نفوس البشر، فهي مهد الطفولة، وملاعب الصبا، ومغنى الشباب، وسجل الذكريات، يعيش فيه الإنسان فيألف أرضه وسماءه، ويرتبط بسهوله وجباله وأشجاره وغدرانه، يألف حره وبرده وتقلباته، ويحس فيه بالسعادة الغامرة والأنس الجميل.
ما مِن غريبٍ وإن أبدى تجلُّدَه إلا سيذكرُ بعدَ الغُربَة الوطنَا
بل إنَّ الطيورَ لتحنّ إلى أوكارِها، والبهائمَ العجماواتِ لتحافِظ على زرائبِها، غريزةً وفطرةً، فسبحان الذي أعطَى كلَّ شيءٍ خَلقَه ثمّ هدى.
ويظن البعض أن حب الوطن ينافي العقيدة ويخالف الشريعة، والحقيقة خلاف ذلك، فإن الشريعة قد أقرت هذا الأمرُ الفطريّ، يقول الله عزّ وجلّ: ((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ)) [النساء:66]، فجعل سبحانَه الإخراجَ مِن الدّيار مثل القتل، وليس كل احد قادر على ذلك، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِن عن حُبِّه لوطَنِه مكّة، وهو يغادِرها مهاجرًا إلى المدينة فيقول:((والله، إنّكِ لأحَبّ البقاعِ إلى الله وأحبّ البقاع إليَّ، ولولا أني أُخرِجتُ منك ما خَرَجتُ)) خرّجه الإمام أحمد وأهل السنن.
وقيل لبعض الحكماء: ما الغِبطة؟ قال: الكفايةُ ولزوم الأوطانِ والجلوس مع الإخوان، قيل: فما الذّلَّة؟ قال: النزوحُ عن الأوطانِ والتنقّلُ بين البلدان.
وللأوطانِ في دَمِ كلِّ حرّ يدٌّ سَلَفت ودَينٌ مستَحَقّ
وبعد إقرار الشريعة لحب الوطن فانها فرضت جملة من الواجبات تجاه هذه الأوطان، فكما أن للمسلم حقا في وطنه فان عليه من الواجبات مثل ذلك، ونريد اليوم أن نذكر ببعض هذه الواجبات:
أولا: واجب السعي الى
تحكيم شريعة الله تبارك وتعالى وجعل القرآن دستورا للبلاد، وتعمير الأوطان بعقيدة
الاسلام وتعاليمه السمحاء، والا فهو الفناء والاستعباد والذلة والضعف، يقول سبحانه:
((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) [الأعراف:96]، ويقول: ((الَّذِينَ إِنْ
مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ))
[الحج:41].
وإن البعد عن شريعة الله وانتشار المنكرات والفواحش والربا وغصب الحقوق هو الذي
يدمر الأوطان والمجتمعات، يقول سبحانه: ((ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة
ضنكا))،[طه]، ويقول:((وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ياتيها رزقها رغدا من
كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا
يصنعون))[يونس112]، ويقول: ((يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)) [البقرة:276].
فينبغي على المسلم أن لا يتهاون في المطالبة بسيادة الشريعة في وطنه مهما كان الثمن ومهما كانت الاسباب.
عباد الله، إنَّ معيشةَ الصلاح والطاعةِ والعبادة تورِث الصّحّةَ البدنيّة والنفسيّة للمجتمع، وتثمر الراحة المادية والبدنيّة، وتنتِج البركة والطمأنينةَ، وإنَّ الشواهد متكاثِرةٌ على ما للإيمانِ والصلاحِ من آثارٍ وبركات في النّفس وفي الحياة، في الزمان والمكان، في الأهلِ والأوطان. ولا ريبَ أنَّ مسلَكَ التّقى يفتح على الإنسان أبوابَ الرّضا والقناعة والبركةِ والسعادة، فالقاعِدةُ المقرَّرة التي لا تتخلَّف: إنَّ الدينَ الحقّ والإيمان الصحيح والعمل الصالح سَببٌ لسعادة الدنيا وبركاتها، ((فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [البقرة:38].
ثانيا: واجب تقديم المصلحة العاملة، فعلينا أن نحذر من قضية مهمة وخطيرة، وهي أن لا نركض وراء المصالح الخاصة ونقدمها على المصالح العامة، وأن لا يكون أداء الواجب في الأوطان لمجرَّد مطامِعَ شخصيّة أو مصالح مادّيّة أو غَرضٍ أو عَرضٍ أو هَوى أو لمجرَّدِ انتماءاتٍ فكريّة وحزبيّة ونحوها؟! فإنَّ ذلك مِن أوجهِ الخيانةِ لله ثم لولاةِ الأمر وللمجتمَع بأسره، والله عزّ وجلّ يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الأنفال:27].
المؤمِن قويُّ الإيمان، قوّةُ إيمانه تجعله يهتمّ بالمصالح العليا للأمة، ويقدِّمها على كلِّ المصالح الشخصيّة، فعندما تتعارض المصالحُ العليا للأمّة والمصالح الذاتيّة الشخصية فقوَّةُ إيمانه تدعوه إلى المحافظةِ على مصَالحِ الأمّة العُليا، وأن لا يقدِّمَ عليها أغراضَه الشخصية، بل الأغراض الشخصيّةُ لا اعتبار لها عندَه أمامَ مصالح الأمّةِ العليا ومنافعها.
المؤمن القويُّ لا يخدَعه الخادعون، ولا يغرِّر به الأعداء الحاقدون، ولا يطمع في انحرافِه الحاسِدون للأمّة، بل هو يرفضُ كلَّ ذلك؛ لأنَّ دينَ الأمة وقِيَمها وأخلاقها وانتظامَ مجتمعها وأمنها في فكرِها وأخلاقها والتزامها أمرٌ ضروريّ بالنسبة إليه، فلا يسترخِص تلك في سبيل المطامِعِ المادّية والأغراض الشخصية.
المؤمن القويّ لا تخدَعه أطماعُ الدنيا أن يضحِّيَ بمصالح أمّتِه لأجل مالٍ يأخذه وحُطام ينالُه في الدنيا، بل كلُّ هذه الأمور لا تروجُ عليه ولا تخدَعه، فقوّة إيمانه تحمله على الخير والهُدى.
إنَّ أولئك الذين استرخَصوا قِيَم الأمة وفضائلَها ولم يبالوا بذلك دليلٌ على ضعف الإيمان في قلوبهم، وكم نسمع ممّن يقول ويتحدَّث عن حبِّ الوطن ومصالح الأوطان، وإذا نظرتَ إلى الأفعال والتصرُّفات وجدتَ تلك الأفعال مناقضةً للأقوال.
إنَّ المؤمِنّ القويَّ يهتمّ ببلاد الإسلام أيّما اهتمام، ولا يرضَى لبلاد الإسلام أن يعبَثَ فيها العابثون أو يطمَعَ في خيراتها ودينِها الطّامعون، بل هو ضِدّ من يريدها بشرّ، ومن يكيد لها المكائدَ، هو ضدّ لأولئك؛ لأنّه يؤمن أنّ المؤمنَ حقًّا من يدافع عن دينِ المسلمين، ويحمي عوراتهم، ويدافع عن قِيَمهم وفضائِلِهم، كأولئك الذين استرخَصوا تلك القِيَم ولم يبالوا بمصالح الأمة العليا، وإنّما همُّهم مالٌ ينالونه، ويقولون: ((لَسنا مسؤولين عن أيِّ أحدٍ، وتلك مسؤوليّة غيرِنا، وذلك واجبُ غيرنا))، كلُّ هذا من ضَعف الإيمان، فإنَّ كلَّ فردٍ مسلم يغار على دينِه ثمّ يغار على بلادِ الإسلام وأمّة الإسلام وعلى قِيَم الأمّة وفضائلها غيرةً تدعوه إلى المواقِفِ المعتدِلة والآراء السديدة وعدَم الانخداع بأولئك الضالّين.
ثالثا: واجب اختيار الأكفاء الحقيقيين لقيادتها، وهذه مسؤولية المجتمع بأكمله، حيث أن القائد الصالح القوي الأمين هو الربان الذي سيقود الأمة إلى بر الأمان.
أحبتي: إنَّ المقياسَ في الاخيار الشرعي يرجِع إلى أمرين هما القوة والأمانة كما قال سبحانه : ((إن خير من استأجرت القوي الأمين))[القصص]، والأمانة تعني قوة الدين ومخافة الله تعالى في الحكم والمسؤوليات، والقوة تعني الكفاءة لهذه المسؤولية، فاختيار الكفء الامين وتقديم أهل العدالة والعِلم والرّأي والحِكمة وذوي النوايَا الصّادقة والعقول الرّاجِحة والمعارِف النّافعة والنُّهَى السّديدة الرّاشِدة والنزاهة ونظافة القَلب واليَد واللِّسان، هو الواجب الشرعي تجاه البلاد وإلا فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، وشيء مؤلم حين تكون صلات القرابة والمصلحية هي الدافع للفرد أن يختار من يقود وطنه وأمته في هذه الأوقات العصيبة التي نعيشها.
إن من الواجب أن نحذر من اتِّباع الأهواء والانسياق وراءَ العواطف والرَّغبات، وأن لا نمكن الرّويبِضة وسُفهاء الأحلامِ من قيادة البلاد، ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ)) [البقرة:220]، ((إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)) [يونس:81].
رابعا: واجب التمسك بجماعة المسلمين، وهذا واجب شرعي قبل أن يكون واجبا وطنيا.
ان الجماعة مَنَعَةُ والفرقة عذاب، الجماعة لُبُّ الصواب والفرقة أُسُّ الخراب، ومن قواعد الشرع المعتبرة وأصوله المقررة، أنه لا دين إلا بجماعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من فارق الجماعة شبرًا فمات مات ميتة جاهلية)) أخرجه البخاري، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:((ثلاثة لا يَغِلُّ عليهن قَلْبُ امْرِئٍ مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم)) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، ومعنى ((لا يغل عليهن)) أي: من لزمهن انتفى عن قلبه الغِلُّ والغش.
إن من واجب الفرد المسلم هو عدم المساعدة في التّحريشِ بين المسلِمين أو التّهييج والإثارةِ والتشنّج، وإثارةِ بواعِث الفِتن وأسبابِ الفرقة وإحياء النّعرات والعِرقيّات والقَبَليّات، والأبعاد الطائفيّة والمذهبيّة وبَذر بذورِ الشقاق والاختلافِ والتجافي عن موارِدِ الاجتماعِ والائتلاف، ومَن فعل ذلك فهو على خطَرٍ في دينه ومروءتِه والعياذ بالله، إذ أنّ الاعتصامَ بالجماعة والائتلاف مِن أصولِ الدين.
خامسا: واجب المحافظة على أمن الأوطان، فإن من أعظم نعم الله عز وجل على بني الإنسان ـ بعد نعمة الدين والإسلام ـ هي نعمة الأمن والاستقرار، حيث إن حاجة الإنسان للأمن والاطمئنان كحاجته إلى الطعام والشراب والعافية للأبدان، قال تعالى: ((فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْف)) [قريش:3، 4].
عباد الله : إذا عَمّ الأمنُ البلادَ وألقى بظلّه على الناس أَمِنَ الناس على دينهم، وأَمِنَ الناس على أنفسهم، وأَمِنَ الناس على عقولهم، وأمنوا على أموالهم وأعراضهم ومحارمهم، ولو كتب الله الأمن على أهل بلد من البلاد سار الناس ليلاً ونهارًا لا يخشون إلا الله، وفي رحاب الأمن وظلّه تعمّ النفوس الطمأنينة، ويسودها الهدوء، وتعمّها السعادة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:((من أصبح آمنًا في سِرْبه معافًى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذَافِيرها)).
وكذلك العكس أيها الإخوة، فإذا سلب الله بعزته وقدرته وحكمته الأمن من بلد ما فتصوّر كيف يكون حال أهله، لو خرج ابنك إلى الشارع لا تأمن عليه، لو ذهبت بنتك إلى المدرسة خشيت أن لا ترجع إليك، لو ذهبت أنت إلى العمل جلست على مقعد العمل قلقًا على نسائك ومحارمك في المنزل، إضافة إلى سرقات البيوت وسرقة السيارات وقُطّاع الطرق في السفر وغيرها كثير، كم من البلاد الآن عاقبهم الله جل وعلا بنزع الأمن من بلادهم، فعاش أهلها في خوف وذُعر، في قلق واضطراب، ليل نهار، لا يهنئون بطعام، ولا يتلذّذون بشراب، ولا يرتاحون بمنام، كل ينتظر حَتْفه بين لحظة وأخرى، عَمّ بلادَهم الفوضى، وانتشر الإجرام، لا ضبط ولا أمن، فنسأل الله عز وجل أن يرحمنا برحمته، وأن لا يوصلنا إلى هذه النهاية.
الإنسان يمكن أن يعيش وهو يعاني الفقر، الجوع، العطش، لكن لا يعيش مع الفوضى والقلاقل والاضطرابات. إذًا لا بد أن يسعى كل منا لتحقيق الأمن ودفع أسباب نزعه، منها ما هو واجب الفرد، ومنها ما هو واجب المجتمع، ومنها ما هو واجب الدولة.
في ظلِّ الأَمْنِ تُعْمَرُ المساجدُ وتقامُ الصَّلواتُ وتُحْفظ الأعْراضُ والأمْوالُ وتُؤمَنُ السُّبُلُ ويُنْشَرُ الخيْر ويعمُّ الرَّخَاءُ، وإذا اخْتَلَّ الأَمْنُ كانتِ الفوْضى، فلْنكنْ كلُّنا جنودًا في حفْظ الأَمْنِ، أَمْنِ العقولِ والقلوبِ وَأَمْنِ الأجْسادِ والأعْراضِ، ولتحْقيق ذلك لا بدَّ أن نبْدأ في تطْبيق شرْع اللهِ في أنْفُسِنَا وفي بيوتِنا ومجْتمعِنا.
الخطبـة
الثانيـة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين القائل: ((من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ويلهمه رشده)).
مسألتنا الفقهية لهذه الجمعة متعلقة في بيان الحكم الشرعي لبعض الممارسات، فقد يسرق البعض بحجة أن هذا مال الدولة وبعضا من حقه في النفط كما يقول، أو تغيب كثير من الموظفين في مؤسسات الدولة بحجة أنه يكره الحكومة أو أنه ضد الوضع الحالي، أو يحاول بأي طريقة الالتفاف على واجباته المفترضة تجاه الناس وبقية أفراد هذا الوطن.
إخواني: إن المال في الدولة مال عام للمسلمين كلهم وللأمة كلها، ليس ملك فلان ولا علان من رئيس أو مسؤول أو وزير أو موظف، فلا يجوز بأي حال من الأحوال الأخذ من هذا المال، إذ المقصود منه بناء البلد وعمرانه، وإذا سرق احد ممن باع دينه فلا تبع دينك أنت واحرص على لقمة الحلال.
أما التغيب عن الدوام والعمل فهو من أكل الحرام ايضا إذ أنك تأخذ الأجر مقابل أن تقدم الخدمة للناس وتغيبك يعني أنك تاخذ أجرا مقابل لا شيء، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل.
Warning: mysql_free_result(): 76 is not a valid MySQL result resource in /home/masajedi/public_html/coment.php on line 206
