سمات المجتمع المسلم
خطب ومحاضرات
سمات المجتمع المسلم
اضيف بتاريخ : 26/12/2009

سمات المجتمع المسلم

الخطبـة الأولـى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله.

((يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)).

((يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)).

((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)).

أَمَّا بَعْدُ:

فإن المجتمع الصالح نتيجة وثمرة للأفراد الصالحين، وإن الله سبحانه ينعم على المجتمعات بما تستحقه من الرخاء والأمن والاستقرار على قدر ما يتحقق فيها من العدل والمساواة، وإن الله إذا اراد بمجتمع خيرا ولى عليه خيار ابنائه، وإذا اراد بهم غير ذلك سلط عليه شرار الخلق يسومونه سوء العذاب.

إن المجتمعات والأوطان التي يريد الاسلام تحقيقها وإنشائها تتميز بجملة من المواصفات التي إن اتصفت بها كانت جديرة بالقيادة والسيادة والسعادة في الدارين، وإلا فهي مجتمعات وأوطان منهارة تابعة ذليلة، لا تملك مقومات الحياة والبقاء والفاعلية، فمن هذه الصفات والمقومات:

أولا: التقوى والعمل الصالح: حيث إن التقوى والعمل الصالح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة عماد قيام المجتمعات، ودليل صلاح حالها، وعمارة دينها ودنياه، يقول سبحانه: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ))(الاعراف 156)، ويقول: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))(الاعراف96).

َإِنَّ المُجتَمَعً يوم تَسُودُهُ التَّقْوَى، وَيَحْرِصُ أَفْرَادُهُ عَلَى رِضَا المَولَى، لَهُوَ مُجتَمَعٌ جدير بالسيادة ، قَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنَ المَدَنِيَّةِ الحَقَّةِ، وَأَمْسَكَ بِزِمَامِ التَّقَدُّمِ وَالرُّقِيِّ، حَيثُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ تُضفِي الأَجْوَاءَ الرُّوحَانِيَّةَ، وَأَعْمَالُ البِرِّ تُمَتِّنُ العَلاقَاتِ الاجتِمَاعِيَّةَ، وَالوَعْيُ الفِكْرِيُّ يُشْعِرُ الفَرْدَ بِالمَسؤُولِيَّةِ تِجَاهَ الجَمَاعَةِ، وَيَدفَعُ الجَمَاعَةَ لِرِعَايَةِ الفَرْدِ، وَأَخْلاقُ التَّقْوَى تَجْعَلُ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، يَسْعَونَ لِكُلِّ مَا فِيهِ نَهْضَةُ المُجتَمَعِ، وَسَعَادَةُ العَالَمِ أَجْمَعَ.

ثانيا: التعاون والتكاتف: إِنَّ مِنْ سِمَاتِ المُجتَمَعِ المسلم أَنْ يَشْعُرَ كُلُّ فَرْدٍ فِيهِ بِالآخَرِينَ، وَيَرَى قِمَّةَ سَعَادَتِهِ فِي رَاحَةِ بَنِي مُجتَمَعِهِ، فَيُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ، وَهَذَا مِنْ رَكَائِزِ الإِيمَانِ بِاللهِ، فَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).

إِنَّ الشُّعُورَ بِإِرَادَةِ الخَيْرِ لِلآخَرِينَ تَدفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى خُلُقِ الإِيثَارِ، وَهُوَ خُلُقٌ عَظِيمٌ، وَقِيمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ رَفِيعَةٌ، وَأَسَاسٌ مِنْ أُسُسِ النَّهْضَةِ القَوِيمَةِ، وَبِنَاءِ المُجتَمَعِ الراقي، وَعَلَيْهِ تَقُومُ المُجتَمَعَاتُ الحَضَارِيَّةُ، فَلا تَجِدُ فِيهَا مَنْ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ فِي المَسَاجِدِ، أَوْ يَخْتَرِقُ الصُّفُوفَ فِي المَحَافِلِ، أَوْ يُزَاحِمُ فِي طَوَابِيرِ الانْتِظَارِ لِيَكُونَ فِي الوَاجِهَةِ وَالمُقَدِّمَةِ، أَوْ لِيَقْضِيَ مَصلَحَتَهُ قَبْلَ مَصَالِحِ الآخَرِينَ، بِحُجَّةِ أَنَّهُ مَشْغُولٌ وَفِي عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، بَلْ يُدرِكُ جَمِيعُ أَفرَادِ ذَلِكَ المُجتَمَعِ أَهَمِّيَّةَ النِّظَامِ، وَمَعنَى التَّقَيُّدِ وَالالْتِزَامِ، وَأَنَّ المَصلَحَةَ العَامَّةَ أَولَى بِالتَّقْدِيمِ وَالاحتِرَامِ، وَقَلَّمَا تَلْمَحُ فِي مُجتَمَعِ الاسلام مَنْ تَدفَعُهُ أَنَانِيَّـتُهُ إِلَى مُحَاوَلَةِ الصُّعُودِ إِلَى المَجْدِ عَلَى أَكْتَافِ الآخَرِينَ، بَلْ جَمِيعُهُمْ يُدرِكُ أَنَّ حَقَّهُ بِإِذْنِ اللهِ مَكْفُولٌ، وَرِزقَهُ بِفَضلِ اللهِ مُقَدَّرٌ وَمَقْسُومٌ، وَأَنَّ سُـلَّمَ المَجْدِ مُشَيَّدٌ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ المُسَاوَاةِ وَتَكَافُؤِ الفُرَصِ، وَبِالسَّعْيِ وَالجِدِّيَّةِ تَتَحَقَّقُ الغَايَاتُ وَيُدْرَكُ المَأْمُولُ، إِنَّ خُلُقَ الإِيثَارِ يَجعَلُ بَنِي المُجتَمَعِ كَأَنَّهُمْ فَرْدٌ وَاحِدٌ، مَصَالِحُ مُشْتَرَكَةٌ، وَأَهدَافٌ مُتَّحِدَةٌ، لا يَجِدُ المُجِدُّ فِيهِ مَنْ يَقِفُ فِي طَرِيقِهِ عَقَبَةً، بَلْ يَجِدُ أَعوَانًا وَأَنْصَارًا يُذَلِّلُونَ لَهُ العَقَبَاتِ، وَيَحْمِلُونَ مَعَهُ الصِّعَابَ، وَيُفْسِحُونَ لَهُ طَرِيقَ المَجْدِ، وَيَسْعَونَ بِكُلِّ وُسْعِهِمْ إِلَى تَيْسِيرِ مَصلَحَتِهِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى غَايَتِهِ الَّتِي رَسَمَ؛ فَلا أَنَانِيَّةَ تَعُوقُ حَرَكَةَ التَّعَاوُنِ فِي المُجتَمَعِ، وَلا أَثَرَةَ تَجْعَلُ الفَرْدَ مُتَشَبِّثًا بِمَصَالِحِهِ فَحَسْبُ، وَهَذَا هُوَ مُجتَمَعُ البُنْيَانِ المُتَمَاسِكِ، وَالجَسَدِ الوَاحِدِ الَّذِي أَشَادَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّـكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)).

ثالثا: سيادة قيم الانجاز والانتاج والنفع للآخرين: فإِنَّ المُجتَمَعَ المسلم الرَّاقِيَ، يُدرِكُ كُلُّ فَرْدٍ فِيهِ أَنَّهُ عُضْوٌ فِي المُجتَمَعِ، شَأْنُهُ شَأْنُ غَيْرِهِ فِي الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ، فَلا تَفَاضُلَ بِنَسَبٍ وَلا حَسَبٍ، وَإِنَّمَا بِمَا قَدَّمَ المَرْءُ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا زَانَهُ مِنْ أَدَبٍ، فَقَدْ رَبَّى الإِسْلامُ أَبنَاءَهُ عَلَى التَّعَالِي عَلى نَعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى أَنْ يَكُونَ فِي المُجتَمَعِ المسلم مَنْ يَرَى نَفْسَهُ فَوقَ الآخَرِينَ، فَأَرشَدَهُمْ إِلَى أَخْلاقٍ تَنْأَى بِهِمْ عَنْ هَذَا المَسلَكِ، وَتُطَهِّرُ قُلُوبَهُمْ مِنْ هَذِهِ الاعتِقَادَاتِ الخَاطِئَةِ، فَحَثَّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَرَفَعَ أَهلَهُ، وَذَمَّ الكِبْرَ وَحَطَّ مِنْ قَدْرِهِ، وَجَعَلَ مِنْ سِمَاتِ المُجتَمَعِ المُسلِمِ صَفَاءَهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالتَّنَابُزِ، وَتَرَفُّعَ أَبنَائِهِ عَنِ الهَمْزِ وَاللَّمْزِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))(الحجرات 11).

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَصْلَ جَمِيعِ النَّاسِ وَمِعْيَارَ التَّفَاضُلِ بَينَهُمْ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))(الحجرات13).

إِنَّ الاشتِغَالَ بِتَصنِيفِ النَّاسِ بِمِقْيَاسٍ غَيْرِ التَّقْوَى، وَمَا قَدَّمَهُ كُلُّ فَردٍ مِنْ إِنْجَازَاتٍ اجتِمَاعِيَّةٍ، يَشْغَلُ الفَردَ عَنْ مَصَالِحِ الجَمَاعَةِ، وَيَشْغَلُ الجَمَاعَةَ عَنْ أَهدَافِهَا الاجتِمَاعِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ.

رابعا: الوحدة الاجتماعية : فَقَدْ خَلَقَ اللهُ النَّاسَ عَلَى هَذِهِ البَسِيطَةِ شُعُوبًا وَطَوَائِفَ، لِيَتَعَارَفُوا وَيَتَآلَفُوا، لا لِيَتَنَاكَرُوا وَيَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ فِي الاخْتِلافِ التَّنَازُعَ، وَخَلْفَ التَّنَازُعِ فَشَلَ المُجتَمَعِ، وَذَهَابَ حَضَارَتِهِ، وَإِيقَافَ حَرَكَةِ تَنْمِيَتِهِ، يَقُولُ رَبُّنَا عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ((وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))(الانفال 46).

وَلِهَذَا كَانَ فِي المُجتَمَعِ الفَعَّالِ مَنْ يُدْرِكُونَ أَهَمِّيَّةَ التَّآلُفِ وَالتَّقَارُبِ بَيْنَ بَنِي المُجتَمَعِ، فَلا يَدَعُونَ لِلْخُصُومَاتِ طَرِيقًا تَشُقُّهُ، فَيَسْعَونَ بَيْنَ النَّاسِ بِالإِصْلاحِ وَلَمِّ الشَّملِ، تَحقِيقًا لِلأُخُوَّةِ الَّتِي وَصَفَ اللهُ بِهَا المُجتَمَعَاتِ الإِيمَانِيَّةَ المُتَحَضِّرَةَ، يَقُولُ المَولَى الكَرِيمُ: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ))(الحجرات 10).

خامسا: روح التسامح والعفو: إِنَّ إِشَاعَةَ رُوحِ التَّسَامُحِ فِي المُجتَمَعِ مَطْلَبٌ مِنْ مَطَالِبِ الدِّينِ، وَلِذَا نَجِدُ القُرآنَ الكَرِيمَ يُؤَكِّدُ أَهَمِّيَّةَ التَّغَاضِي عَنِ الهَفَوَاتِ، وَكَثِيرًا مَا يَدعُو إِلَى العَفْوِ فِي قَضَايَا التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ جَعَلَهُ وَسِيلَةً لِلتَّقْوَى، وَطَرِيقًا لِمَغْفِرَةِ اللهِ وَرِضوَانِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: (( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى))(البقرة 237)، وَيَقُولُ: ((وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ))(النور22).

سادسا: الأعمال التطوعية: إِنَّ مِنْ سِمَاتِ المُجتَمَعِ الحَضَارِيِّ نَمَاءَ حَرَكَةِ العَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ، فَالأَعمَالُ التَّطَوُّعِيَّةُ عَامِلٌ رَئِيسٌ مِنْ عَوَامِلِ بِنَاءِ المُجتَمَعِ القَوِيِّ وَالمُتَقَدِّمِ، وَلا يُمكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَ المُجتَمَعُ بِصُورَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي ظِلِّ غِيَابِ هَذِهِ الثَّقَافَةِ، فَالوَعْيُ بِأَهَمِّيَّةِ الإِسْهَامِ تَطَوُّعًا فِي تَقْدِيمِ الخِدْمَاتِ لِلصَّالِحِ العَامِّ، وَانتِشَارُ رُوحِ المُبَادَرَةِ إِلَى فِعلِ الخَيْرِ مَعْـلَمٌ حَضَارِيٌّ وَاسِعٌ، حَثَّ القُرآنُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهِ وَامتَدَحَ أَهلَهُ، فَجَعَلَ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ المُسَارَعَةَ إِلَى الخَيْرَاتِ فَقَالَ: ((وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ))(آل عمران 117)، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ((أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ))(المؤمنون61).

إِنَّ التَّنَافُسَ فِي القِيَامِ بِمُبَادَرَاتٍ اجتِمَاعِيَّةٍ أَوْ ثَقَافِيَّةٍ أَوِ اقتِصَادِيَّةٍ، عَلَى وَفْقِ الأُطُرِ القَانُونِيَّةِ، يُؤَدِّي إِلَى تَطَوُّرِ المُجتَمَعِ، وَدَفْعِ عَجَلَةِ تَقَدُّمِهِ وَنَهْضَتِهِ، أَمَّا المُجتَمَعُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الكَلامُ وَيَقِلُّ فِيهِ العَمَلُ، وَيَتَرَامَى أَفْرَادُهُ المَسؤُولِيَّةَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَتَحَدَّثُونَ عَنِ المَفْرُوضَاتِ عَلَى الآخَرِينَ، وَيَتَنَاسَونَ القِيَامَ بِوَاجِبَاتِهِمْ، فَهَذَا المُجتَمَعُ سَيُرَاوِحُ مَكَانَهُ، وَلَنْ يَتَقَدَّمَ خُطْوةً نَحْوَ الأَمَامِ؛ بَلْ سَيَعِيشُ فِي حَالٍ مِنَ التَّرَاجُعِ المُستَمِرِّ، وَالتَّقَهقُرِ إِلَى الوَرَاءِ، وَلَقَدْ نَعَى القُرآنُ الكَرِيمُ عَلَى الَّذِينَ يَفتَرِقُ فِعلُهُمْ عَنْ كَلامِهِمْ أَمْرَهُمْ هَذَا فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُون، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ))(الصف2ـ3).

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاستَشْعِرُوا مَسؤُولِيَّـتَكُمُ الاجتِمَاعِيَّةَ، وَبَادِرُوا إِلَى كُلِّ مَا يَبنِي المُجتَمَعَ المسلم الحَضَارِيَّ الفَعَّالَ.

تَقُومُ الحَضَارَةُ عَلَى تَعَاوُنِ الشَّرَائِحِ كَافَّةً، وَمُشَارَكَةِ جَمِيعِ فِئَاتِ المُجتَمَعِ فِي المَسِيرَةِ التَّنمَوِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا وَجَبَتِ العِنَايَةُ بِالفِئَاتِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى مَنْ يَقِفُ بِجَانِبِهَا، وَالالتِفَاتُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ إِلَى الأَشْخَاصِ ذَوِي الاحتِياجاتِ الخَاصَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ جُزءٌ مِنَ المُجتَمَعِ، لا تَقُومُ نَهْضَتُهُ بِدُونِهِمْ، وَلا تَكْتَمِلُ الحَضَارَةُ مَعَ إِهْمَالِهِمْ، فَلْنَأْخُذْ بِأَيدِيهِمْ نَحْوَ مَا يُسَهِّـلُ لَهُمُ الحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ، وَلْنُسَاعِدْهُمْ عَلَى استِخْرَاجِ مَكْنُونِ مَوَاهِبِهِمْ، وَمَا مَنَحَهُمُ اللهُ مِنْ قُدُرَاتٍ وَإِمكَانَاتٍ، وَلْنُعِنِ الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةَ عَلَى العِنَايَةِ بِهِمْ، وَرِعَايَةِ شُؤُونِهِمْ وَاحتِيَاجَاتِهِمْ، حَتَّى يَأْخُذُوا مَوقِعَهُمْ فِي البِنَاءِ وَالتَّعمِيرِ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلا: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ))(المائدة2).

أيها العراقيون لننظر الى مجتمعنا هل فيه هذه المقومات والخصائص التي تجعله مجتمعا مسلما حضاريا يتحقق فيه العدل والمساواة والأمن والاستقرار.

لقد حبس العراقيون أنفاسهم هذا الأسبوع مرتين:

الأولى : يوم أن أوشك التفرق السياسي ان يعصف في البلد ويرجعه الى دوامة العنف.

والثانية: يوم أن سقط الشهداء والجرحى في ارض بغداد تضج دمائهم بالشكوى الى الله ممن تسبب في سفكها واراقتها، فهل نحن مجتمع مسلم وهل نحن مجتمع يستحق نعمة الأمن والرخاء والرزق والتقدم والعزة، ام أن التناحر السياسي والاجتماعي وسيادة لغة الدماء هي التي تتحكم في البلاد؟ ايها العراقيون ليس لنا الا التوبة من المظالم والرجوع الى مظلة هذا الدين الذي اعزنا الله به قرونا وقرون.


الخطبـة الثانيـة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين القائل: (( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ويلهمه رشده)).

يظن كثير من الناس أن الحكومات مسؤولة عن كل شيء لذا فهو لا يأبه بمصلحة مجتمع ولا وطن، فهو يسرق لأن الحكومة تسرق وهو لا يخلص في عمله ووظيفته لأن مسؤوله لا يخلص في عمله ووظيفته، وكل ذلك حرام شرعا، حيث ان المسؤولية في الاسلام مسؤولية الجميع الحكومات والشعوب، وليس احد مستثنى من السؤال أمام الله فيما اؤتمن عليه من مصالح الناس والمجتمع.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

اضف تعليقك
لا توجد اضافات
جميع الحقول مطلوبة والايميل يظهر للادارة فقط
(E-mail)

الرجاء كتابة الحروف التي في الصورة .

 

واقرأ ايضاً