خطبة: التربية على الإستعلاء رغم الجراح
خطب ومحاضرات
خطبة: التربية على الإستعلاء رغم الجراح
اضيف بتاريخ : 13/10/2013

خطبة: التربية على الإستعلاء رغم الجراح


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

الإسلام ليس محصوراً برجل فيقتل! أو مؤسسة فتغلق ، أو هيئة فتهدم، أو دولة فتحارب... الإسلام نسيم يعم الأرجاء، وشمس لا تحجبها يد شلاء )والله متم نوره ولو كره الكافرون( (الصف: 8).
قال تعالى: )ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين( (آل عمران: 139)، لقد كانت هذه الآية تتنزل وجيش المسلمين قد رجع من غزوة أحد، وقد قتل منهم سبعون، وجرح فيها الرسول الكريمr، ومع ذلك يقرر في حقهم أنهم الأعلون، حتى لا تقتلهم الحسرة، أو يحترقوا بنار المحنة.
إن الأعداء يحاولون- عبر إيحاءات منظمة وممارسات إعلامية مدروسة- أن يطيحوا بالأمة في دوائر اليأس والإحباط والسلبية. أما حين تتحرر النفوس من الإحساس بالدونية والضعف والعجز، فعندها تنطلق الطاقات وتتحرك الإمكانات وإن كانت ضعيفة، فهنا تغير وجه التاريخ، وتنطلق الأمة الجريحة لملاحقة عدوها كما أنبعث جيش أحد الجريح لمطاردة عدوه في (حمراء الأسد).
على الأمة أن تردد أناشيد النصر وإن كانت جريحة، وأن تصرخ بلسان التحدي أمام عدوها وإن كانت سجينة فيقول:
لا تفرحوا بالنصر...!
فإن قتلتم خالداً فسوف يأتي عمرو.
وإن سحقتم وردة فسوف يبقى العطر.
عدونا يا أيها المغرور... عقارب الساعة وإن توقفت... لابد أن تدور.
لابد من بعث الأمل في الأمة، وأن يفتح لها نافذة من نور حتى لا يقتلها الظلام. بينما الصحابةy يحفرون الخندق إذ عرضت لهم شديدة، فجاءوا إلى رسول اللهr فأخبروه، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، قال الراوي: ((وقد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً)) فأخذ النبيr المعول ثم ضرب الصخرة ضربة صدعتها وتطاير منها شرر أضاء هذا الجو الداكن- وهو يقول: ((الله أكبر: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضربها الثانية فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر قصر صنعاء من مكاني الساعة))..!!.
ولما بلغه خبر نقض يهود بني قريظة العهد قالr: ((أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره...)) أي: إشراقة أمل في ظلمة المحن هذه!!.
ونحن نقول للمسلمين قاطبة وهم في ظل هذه الأزمات العصيبة: أبشروا وأملوا خيراً؛ فإن مع العسر يسراً، وأن الأمة وإن آلمها المخاض فقد قربت ولادة جيل النصر فيها. إن الليل وإن اشتد ظلامه قد آذن الفجر ببلج ، فناد مع صياح الديك، بل بعد أذان بلال، وردد أنشودة النصر وملحمة الفتح.
ومن علم أن مصابه سيزول هان عليه احتماله، وتسلى بانتظار زواله، وانبعثت نفسه بالأمل، ونشطت على العمل استعجالاً للفرج، بعكس ما لو انقطع أمله وأصابته حال من اليأس والقنوط، ظن معه أن ما هو فيه من أزمة تعتبر نهاية التاريخ، وخاتمة الحياة.
مهما دجا الليل فالتاريخ أنبأني أن النهار بأحشاء الدجى يثب
إني لأسمع وقع الخيل في أذني وأبصر الزمن الموعود يقترب

إن ظلمة الليل وإن كانت موحشة، إلا أنها سكن للنائمين، وسلوة للقائمين، وأنس للذاكرين. أدخل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله السجن فماذا كان السجن عنده؟! هل تأزمت نفسيته وتدهورت حالته؟! كلا ... لقد تعامل معها- وهو صاحب القلب الموصول بالله- بطمأنينة وثبات ، فتحول السجن في حقه الى خلوة يأنس بها، لقد قال والسجّان يغلق عليه الباب: )فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب( (الحديد: 13) ثم قال: (ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة!!) وكان يقول في محبسه بالقلعة: (لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهباً ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير). الله أكبر. لقد رأى شيخ الإسلام في السجن نافذة لم يرها كثير ممن يموت في الهم ألف ميتة غير التي كتبها الله عليه.
ورحم الله الشاعر عمر أبو ريشة قال: أن من الحزم وتمام العقل مقابلة الجراح بالبسمات ، حتى لا تنطفيء شمعة الأمل ؛ حيث قال:
أحزم الناس عاقل لمس الجرح وأبتسم


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اضف تعليقك
لا توجد اضافات
جميع الحقول مطلوبة والايميل يظهر للادارة فقط
(E-mail)

الرجاء كتابة الحروف التي في الصورة .

 

واقرأ ايضاً